في معنى فمن يُرد الله أن يهديه يشرح صدره..

بعد تفكر وبحث والسؤال عن تفسير الآية:

{ فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }

وفي هذه الجملة بالذات:

“من يُرد الله ان يهديه يشرح صدره للإسلام”

 باستخدام القاعدة اللغوية في تقديم المفعول به على الفعل والفاعل، فإن الآية:

لا تعني أن الله ذاته إن أراد هداية أحد يشرح صدر الإنسان للإسلام، بل تعني أن الإنسان الذي يريد من الله أن يهديه، عليه اولا هو نفسه أن يشرح صدره للإسلام — أي على الإنسان نفسه أن يتخلى عن التكبر والغرور، ويكون مستعدا لتقبل الحق والهداية.

 

من يُرد الله أن يهديه،

 

كأن تقول: من يُريد فلانا أن يكافئه يجتهد في دراسته.

 

في هذه الجملة، إن كان الشخص يريد المكافأة، عليه حينها أن يجتهد هو نفسه في دراسته، لكي يكافئه فلان.

 

على نفس القياس، من يريد من الله ان يهديه، عليه أن يشرح صدره للإسلام،

أي أن الشخص نفسه عليه أن يكون منفتحا ومتقبلا لقبول الشيء.

 

حسب هذا القول، هذا التفسير أو التأويل يعتمد على قاعدة نحوية وهي تقديم المفعول به على الفعل أو الفاعل: من يُرد الله أن يهديه يشرح صدره.

 

في محاولة مني “لتفكيك” إعراب الآية، المفعول به هنا هو ضمير مستتر وهو الإنسان الذي يريد الهداية، وهو غير مذكور في الآية لفظيا إنما فقط مذكور: “من يُرِد” من يطلب الشيء وهو المفعول به، “الله” هو الفاعل، “أن يهديه” وهو الفعل، يشرح صدره للإسلام وهذا يعود على المفعول به، هو من يجب أن يشرح صدره للإسلام.

 

هذا هو فهمي للآية باستخدام قاعدة تقديم المفعول به على الفعل أو الفاعل.

 

من يُرد الله أن يهديه؟ عليه أن يشرح صدره للإسلام.

 

من يُرد الله أن يضله؟ يجعل صدره ضيقا حرِجا.

 

فهذا التفسير يحتاج إلى فهم عميق باللغة العربية، والحقيقة هنا يتبين لي أهمية أن تكون واعيا وعلى معرفة بقواعد اللغة العربية والبلاغة لكي تتمكن من فهم كلمات القرآن ومعانيه.

 

وفي رأيي هذا يعني صعوبة فهمه من قبل العامة من الناس- وهذا أيضا يبين كيف أن تحدي محمد بالبلاغة في القرآن، يتطلب أن يكون هكذا، وبهذا النتيجة انه صعب الفهم للعامة من الناس ومن ليس بمعرفة تامة لقواعد اللغة العربية.

 

مما يحيرني في كون “رسالة إلهية” تكون عن طريق “إعجاز لغوي”.

 

لا أعلم إن كانت هي فعلاً “إعجاز” بقدر ما هي بلاغة محكمة واسلوب طرح مميز لصاحبه (سواء كان صاحبه “بشر” أو “إله”)، إنما هو لديه بلاغة وإحكام للغة بلا شك.

 

 

خلاصة هذا الموضوع..

أن الأرجح من معنى الآية أن الإنسان هو من عليه أن يكون منفتح لتقبل الإيمان، لكي يهديه الله،

وليس الفهم العام الذي يظن معنى الآية بأن الله ذاته هو من يختار أن يهدي الشخص،

إنما يهدي الله من الناس من يكون منفتحا فيشرح صدره للإسلام.

 

هذا هو معنى الآية المعتمد على قاعدة تقديم المفعول به على الفعل،

 

ومن باب أنني لا زلت أبحث وأتمعن،

أرى بأن المعنى للآية صحيح، حيث أن الإنسان لا يمكن أن يقبل شيئا إذا كان مغلقا قلبه اتجاهه ومتكبرا فيما هو عليه،

بينما يسهل عليه تقبل الأمر حين يكون منفتحا لتقبل الحقيقة دون غرور أو تكبر.

 

فالمعنى اللغوي في الآية صحيح، والحكمة صحيحة، لكن هذا لا يقتضي أن الحق هو هذا الدين الذي تحدث هنا عن هذه الحكمة،

نعم هذه الحكمة صحيحة، فأنت حين تكون متكبرا عن تقبل شيء، لن تفتح صدرك وسيكون صدرك ضيقا من التكبر والغرور خصوصا حين تعلم بأنها حقيقة لكن تتكبر عن تقبلها والإنفتاح لها.

 

فالحِكمة ذاتها هنا صحيحة ورائعة، ولكن السؤال الآن يكون، هل هذا يعني بأن الحقيقة هي “دين الإسلام”؟

 

هذا سؤال آخر ليس هو موضوع هذا الحوار، لكن للتوضيح:

 

صحة الحكمة ليست دلالة على صحة الشيء ذاته.

 

مثلا، حين يأتيك شخص ما مؤمن بأن الكرة القمر يشع الضوء من ذاته – على سبيل المثال – ويقول لك:

إن أردت أن تؤمن بأن القمر يشع الضوء من ذاته، فعليك حينها أن تشرح صدرك للأمر.

 

التفسير:

النقطة الأولى: صحيح، إن أردت تقبل الفكرة عليك أولا أن تتخلى عن الغرور والتكبر، وتكن منفتحا لتقبل الفكرة.

بينما إن كنت متكبرا فأنت لن تتقبلها وإن كانت صحيحة.

النقطة الثانية: رغم صحة الحكمة، إلا أن المعلومة غير صحيحة: القمر يشع الضوء من ذاته، معلومة غير صحيحة، رغم أن الحكمة ذاتها صحيحة.

 

المغزى: رغم صحة الحكمة في الجملة أو الآية — هذا لا يعني صحة المعلومة ذاتها.

 

ومن هنا بعد أن تأكدنا من صحة الحِكمة، علينا بعدها من إجراء البحث اللازم للتحقق من صحة المعلومة ذاتها (بقلب منفتح)!

 

ويستمر التأمل..

 

 

ملاحظات:

 

الملاحظة الأولى:

معلومة استخدام اللآية لتقديم المفعول به على الفاعل كانت عن طريق أحدهم أخبرني بها، الغريب في الأمر أنني حين عدت بنفسي للبحث في التفاسير المختلفة لم أجد أي تطرق لهذا المعنى – رغم أنه منطقي برأيي.

 

وهنا موقع يتحدث عن قاعدة تقديم المفعول به على الفاعل في اللغة:

http://www.startimes.com/f.aspx?t=33064167

 

وهنا موقع رائع يقدم مجموعة كبيرة من التفاسير للقرآن ويتميز بإمكانية البحث في تفاسير بحسب نوع “المدرسة الدينية” مما يتيح الفرصة للمقارنة ورؤية المعاني المختلفة لمختلف المدارس الدينية:

هنا:

 

http://www.altafsir.com/Tafasir.asp?tMadhNo=0&tTafsirNo=0&tSoraNo=1&tAyahNo=1&tDisplay=no&LanguageID=1

 

أو هنا

http://www.greattafsirs.com/Tafsir_Books.aspx

 

 

الملاحظة الثانية:

 

الغريب في الأمر أنني بحثت في عدة كتب من عدة مدارس ولم أرى تطرق أو طرح لفكرة قاعدة تقديم المفعول به على الفاعل!

إضافة لاحظت ان بعض التفاسير صعبة الفهم وليست تفسير بقدر ماهي طرح لأحاديث،

 

الملاحظة الثالثة:

بعض التفاسير تفسر الآية على أن الله هو من يشرح صدر من يريد أن يهديه للإسلام، وهذا التفسير هو ما كنت أشك به دون معرفة القاعدة اللغوية – أستغرب الآن من وجود هذه الفكرة في بعض التفاسير والتي صحة هذا التفسير يعني إنعدام العدل إن كان الله ذاته هو من يهدي من يشاء؟ (وكتابة هذه الأسطر الآن تدعوني للبحث في آية “إن الله يهدي من يشاء!).

برأيي تفسير الآية بالقاعدة اللغوية ينفي وجود التناقض في الآية، وهو أقرب للقبول. ولكن أتعجب من عدم وجود تفسير يتطرق لهذه القاعدة أو يشرحها بنفس المعنى بشكل سلس وواضح؟

 

الملاحظة  الرابعة:

اقتباس جميل من تفسير “حقائق التفسير/ السلمي” تحت مدارس الصوفية:

 

“قال الله تعالى: { فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ }.

 

قال سهل: إن الله ينظر فى القلوب والقلوب عنده فما كان أشد تواضعًا خصه بما شاء، ثم بعد ذلك ما كان أسرع رجوعًا وهما هاتان الخصلتان.”

 

رأيت ان هذا يستحق الإقتباس لأنه أكثر وضوحا من بقية الكلام، وفيه بيان “فما كان أشد تواضعا” أفهم منها أن القلب الذي يكون متواضعا هو الذي يحصل على الشيء— الهداية أو قبول الحقيقة، وهو تفسير أقرب للتفسير باستخدام قاعدة التقديم المذكورة.

 

وإلى بحثً آخر.. يستمر التفكُر..

 

 

فكرتان اثنتان على ”في معنى فمن يُرد الله أن يهديه يشرح صدره..

  1. ما شاء الله مجهود رائع…
    و الأهم: أنك نجحت في أن تنهج نهج التدبر في معاني الأيات عند قراءة القرآن و ليس كما يفعل الغالبية فيقرأون القرآن بدون أدنى محاولة للفهم…
    و يحضرني هنا قول للشيخ الدكتور عائض القرني .. حيث قال “إذا أردت فهم القرآن تعلم اللغة العربية جيدا و أنقنها ثم أقرأ القرآن و السنة و ستجد نفسك تفهم كل شئ!”

    • شكراً لتعليقك وكلماتِك، وفعلاً إتقان اللغة مُهم لفهم الكثير من الكلام البليغ – خصوصا مع تغير اللغة وطريقة استخدامها مع الوقت

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s