لماذا لا دين — إلى المؤمنون الغاضبون

لماذا لا دين؟

مرحلة بدايتي في الشك بأن الدين هو من “السماء” كانت مع أحد الكتب الإسلامية التي توزع في امريكا عن معاجز الدين العلمية. والذي كان يتحدث عن الكثير من “العلوم” التي اكتشفت مؤخرا بينما هي موجودة في القرآن. هذا الكتاب عن معاجز القرآن كان هو السبب الرئيسي في التساؤول عن مصداقية كون كل ذلك من الله. حين اقتنيت الكتاب فخورا به، وبدت أبحث في المعلومات التي يتحدث بها لأثري نفسي أكثر وأكون على بينة حين أتحدث لأحد ما عن الدين الإسلامي ومعاجزه. ولكن بعد زمن من تمعني في الكتاب والبحث عن مافيه من معلومات لأحاول التمكن من كل “معجزة” فيه في حواراتي مع نفسي ومع الآخرين. لم يستمر فخري بتلك المعجزات كثيرا. بل ضقت منها كلما بحثت فيها أكثر. كمعجزة تكون الجنين، ومعجزة انفصال المياه “بينهما برزخ لا يبغيان” ومعجزة السبع سماوات والطبقات السبع. كل ذلك وغيرها وغيرها، ما أن بدأت البحث فيها، بدل من أن أزداد إيمانا، إزددت شكا في كونها “معاجز”. ولست هنا لأسرد تفاصيل كل ذلك، فتلك مهمتك لتبحث، هنا أنا أبين لماذا لا دين. فبعد تبيني أن أغلب ما يُقال بأنها معاجز، ماهي إلا علم متوارث. ما بين الإغريق والبابليون وغيرهم، علم متوارث. ولم يكن الإنسان في تلك الأزمنة في شدة الجهل كما نظن. وكانت له بحوثه واكتشافاته التي بعضها إن لم تكن صحيحة تامة كانت قريبة من الصحة. ولك أن تتطلع مثلا على كتاب أفكار سبع هزت العالم لترى مراحل تطور العلم والفكر البشري. المهم، نعود إلى موضوعنا: لماذا لا دين؟ من هنالك ابتدأت الرحلة: من معاجز إلى الشك في كون أي منها “معاجز”. وبعد أن تيقنت بأن الكثير منها ليست بمعاجز، بقدر ما هي تناقل علوم، بدأت أتسائل في كل شيء: هل هذا الكلام من الله فعلا؟ أم هي علوم متوارثة وتطور فكري للبشر؟ هل ما يسمى بالأديان السماوية أو الأديان الإبراهيمية هي شيء مقدس مُنزل من السماء؟ لم أعد اراها كذلك كما أراها ليست إلا تطور فكري بشري طبيعي. لم أصل لذلك لاكتشافي عدم كون تلك المعاجز “معاجزا حقيقية”، إنما لأسباب كثيرة. منها دراستي لمواد الفلسفة، ما بين فلسفة الأخلاق، فلسفة طبيعة الإنسان، التوحيد، وما بين العديد من الفلاسفة في كل ذلك، وعلى الرغم من أن جامعتي كانت جامعة مسيحية كاثوليك في توجهها، وكون المدرس أحيانا قد يتحدث في فلسفة الفلاسفة من رأي ووجهة نظر عامة ومن ثم من وجهة نظر الدين المسيحي، كانت لي إضافات وهي التأمل فيها من وجهة نظر خلفيتي الإسلامية، وخارج كل ذلك: الربط ما بين هذا وذاك، التأمل هنا وهناك، في التاريخ، في الحياة، الماضي والحاضر، ومحاولة الخروج بأفكاري الخاصة من كل ذلك.

لم يحدث كل ذلك في يوم وليلة، ربما الوقت الذي قررت فيه عدم نزول هذه الأديان من السماء، وكونها ليست إلا أفكار بشرية تتوارث وتتطور في كل أمة بشيء، كل ذلك لم يحدث إلا بعد عدة سنوات من كل تلك الأفكار التي بدأت تتشابك وتتسائل لتخرج بشيء ما من بين كل ذلك.

لماذا لا دين؟

لأن الإنسان واقعيا بحاجة إلى التطور الفكري باستمرار،
وليس بحاجة إلى أفكار مقدسة لا تتغير ما مر الزمان،

لأني لم أعد أرى دليلا على قدسية هذه الأفكار،
ولا دليل لأغلب أهله سوى أنهم ولدوا عليه،
فصعب على أي إنسان أن يتغير،
صعب أن يغير أفكارا رئيسية بنى عليها حياته.

لكن، التأمل، التأمل هو أسهل الطرق— ليس محاولة إثبات جرم الدين أو جرم مؤسسه— فأنا لا أوؤمن بجرمهم، إنما هي مراحل مرت بها البشرية في تطورها الفكري، وهكذا أرى الأنبياء: فلاسفة أتوا للإصلاح والتغيير، قد يصيبوا وقد يخطئوا، فليس كل فلسفة الفلاسفة صحيحة، وليس كلها يُنبذ.

لهذا علمت بأن العقل هو في التعلم من كل ذلك، من كل الفلاسفة، من كل الإصلاحيين.

التعلم من الجميع، والتقدم، لا التوقف عند أفكار أي أحد.

فهذا العالم كبير واسع، لا يُمكن أن يُختزل في فكر واحد.

فالعالم أكبر من أن يُختزل في دين أو في فيلسوف أو “نبي”.

وليس النبي إلا من تنبأ بالإصلاح، وإن أصاب في حين، أو حتى في كل حين، لا قدسية لبشر.

لا قدسية لفكر.

لماذا لا دين؟
لأن الكون أكبر من الدين.

والتأمل خير دليل.

فلست بحاجة إلى اكتشاف علمي “يبدد” أفكار الدين،
ولست بحاجة إلى القول أو اتهام الدين بأنه يدعوا إلى القتل أو الإرهاب،
ولست بحاجة إلى القول بأن الدين يظلم الرجل أو يظلم المرأة،
ولست بحاجة إلى إثبات أن الدين فيه “أفكار بدائية”

كلما أحتاج إليه هو التأمل في هذا الكون الواسع، وحين تجد (الله) افتراضا، أو تجد بأنه لا بد من وجود مُوجد او سبب وراء هذا الكون، عليك أن تضع في نصب عقلك: كل هذا لا يعني بأن الأديان قوانين سماوية.

القوانين السماوية هي قوانين الطبيعة، أما قوانين الأخلاق والمعاملات فهي قوانين بشرية، نمت وتنمو وتتطور مع تطور الإنسان الفكري، وهذا التطور لا يجب أن يتوقف مُطلقا.

ولنتأمل.

======

وهنا أقول:

لا دين، لا لأنني اكتشفت أن الدين مليء بالقتل واللإرهاب،
لا دين، ليس لأني اكتشفت حجة علمية تبطل وتبيد أفكار الدين،
لا دين، وليس لأنني اكتشفت بأن مؤسس الدين كاذب أو مخادع،
(ولا أقول ذلك مطلقا، فهنالك فرق بين أن تكون صادقا وبين أن تكون على صواب).

لم تبعدني عن الدين كثرة الحروب والقتال باسم الدين،
لم يبعدني عن الدين القول بأن فيه خرافات
لم يبعدني عن الدين تشتت أهله
لم يبعدني عن الدين اختلاف اللآراء فيه

لا دين، لأنه ليس من الصعب على المتأمل أن يكتشف بأن الأديان ليست إلا تطور فكري بشري على مدى مئات وآلالاف السنين. (أو ربما ذلك صعب ويتطلب جهد وتأمل وتمعن في التاريخ والفلسفة بشكل واع وبغير قيود على العقل تمنعه من التأمل والتفكر الصادق).

====

لم يسبق لي أن كتبت بهذا الوضوح لأفكاري عموما، لا لشيء سوى أن المؤمنون غاضبون. ورغم أني سابقا كنت أكتب عن الأديان عموما دون مسمياتها أو طوائفه، كتبت هذه لكل أولئك عامة، وللمؤمنون الغاضبون خصوصاً.

يغضبون لرسمة.
يغضبون لمقال.
يغضبون لفكرة.

وهنا أقول، كتبت مقالي هذا إلى المؤمنون الغاضبون.
إلى أهل الإيمان والتقوى،
إلى أهل العطف والرحمة،
إلى أهل الموسيقى والإيمان،
إلى الوسطيون المعتدلين،
إلى كل المؤمنين الغاضبين،
الغاضبين من الكفار،
الغاضبين من اللادينين،
الغاضبين من الملحدين،
الغاضبين من المتسائلين،
الغاضبين من التائهين

إلى الذين لم يخرجوا الشوارع ليصرخوا: فليسقط المجرمين،
ولم يخرجوا الشوارع ليصرخوا: فليسقط الإرهاب،
ولم يخرجوا ليصرخوا: فليسقط التكفير،
ولم يصرخوا: فليسقط الظلم،

خرجوا
صرخوا
وتباكوا
فليسقط الكفرة
فليسقط من رسم صورة غاضبة مستهترة
فليسقط
فليسقط من صنع فلما متهما جائرا
خرجوا
ليحرقوا
ليهددوا
ليتوعدوا
ليهدروا الدماء

ولم يخرجوا في وجه من يهدر الدماء
لم يخرجوا في وجه من ينشر التكفير
خرجوا ليصرخوا في وجه من هرب في هروبه كافرا بالكراهية
كافرا بالظلم
كافرا بتكبيل العقول
كافرا
كافرا
كافرا بالوسط النائم
كافرا بزيف التاريخ
كافرا
كافرا

إلى من يغضب لأجل رسمة
ويقتل بسبب مقال

إلى كل مؤمن غاضب،
إلى الوسطيون المعتدلون،
إلى المهذبون في أرواحهم،
إلى كل مؤمن غاضب،

دلوني، من أين لكم تلك الوسطية والإعتدال؟
أَ من الدين أم من أنفسكم؟
أَ من التاريخ أم من رحمتكم؟
أَ من الأنبياء أم من إنسانيتكم؟

من أين نجد هذه الطيبة والوسطية والمحبة؟
أنجدها في كتب التاريخ والواقع؟
أنجدها في كتب الدين وآياته؟
هل نحتاج ذلك لكي نكون أهل عدل وأخلاق وطيبة؟
أم هي في أنفسكم من أنفسكم؟

نحن بحاجة للأخذ بما يفيد وترك ما دون ذلك.
آمنت بالحياة، شاكراً لنعمة الحياة، قانعاً بها، لا طامعاً في جنة ولا طامعاً في خلود، شُكرا لنعمة الحياة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s